اضغط زر تشغيل أغنية أم كلثوم .. القلب يعشق كل جميل
أأرتاح بالكرسي مزدهيـــــــــــا به *** وتهتز ّ من شوق ٍإلي ّ المنابرُ ؟
وأضرع مأمورا لناه ٍ وآمــــــــــــــــــرٍ ***ولي مقول ٌ في الشعب ناه ٍ وآمرُ
رضيت لنفسي في الحياة بمقنعٍ ٍ***من العيش يأباه خطيب ٌوشاعرُ
ولم أدخر غير القناعــــــــــــة ثروة ً***وتلك التي تبقى وتفنى الذخائرُ
الشيخ محمد علي اليعقوبي
(1895 - 1965):
حياته ...مواقفه ...طرائفه
كريم مرزة الأسدي
تخيلوا أيها الأعزاء رجل عملاق من رجالات العراق / محقق ثبت ، مؤرخ كبير ، شاعر عملاق ، خطيب مفوه من الطاز الأول ، لم أعثر له إلا على مثل هذه الصورة ، تخيلوا كيف كنا متعففين ، وكيف أصبحنا أرستقراطيين ؟لا تعليق !!!!!!!!! اقرأوا رجاء المقالة الرائعة عنه:
نعم نعم له عشر قصائد عن فلسطين ، ومثلها عن الجزائر وتونس والمغرب ، خطيب مفوه من الطراز الأول ، إذا خطب هز العراق ، ويسقط حكومات ، تخيلوا لم أعثر له إلا هذه الصورة ، ووفاته فقط عام 1965م ، تخيلوا كيف كنا ، وكيف أصبحنا ؟!!!!!!!!! لا تعليق !!! اقرأوا المقالة وأعتذر عن ذكر المراجع والمصادر !!!
خرّجت مدينة النجف الأشرف العديد من العباقرة والأعلام , ولكن الحكومات العراقية وكعادتها , لم تنصف العراق ورجاله , ولم تعرف قدر عباقرته وأثرهم على مسيرة الحضارة الإسانيه ورقيها.
في الحفل التأبيني الذي أقيم بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاة اليعقوبي , تفضل الدكتور عبد الهادي التازي سفيرالمملكة المغربية في بغداد عام (1965) بكلمة حملت بعض مضامينها : ستحمل شوارعنا بلا ريب اسم الشيخ اليعقوبي كما حملت من قبل أسماء لرجال العراق . ولا نعلم هل تم الوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه أم لا , ومن الجدير ذكره , يضم ديوان اليعقوبي عشر قصائد عن فلسطين وحدها. ومثلها لأقطار المغرب العربي الثلاثة , ويعجبني من اليعقوبي هذا التضمين الرائع والبليغ لقول ( القاضي الجرجاني ) , كما أعجب من قبلي الأستاذ الكبير جعفر الخليلي رحمه الله , وذلك إثر معارك ( الريف ) في المغرب , وشموخ عبد الكريم الخطابي ( الريفي ) , إذ تهجم شيخنا اليعقوبي على الفرنسيين والأسبان بسخرية لاذعة :
أتت زمرة الأسبان تترى وخلفهـــــــــــــا *** الفرنسيس في جيش ٍ على الريف حاشدِ
فيا دولتـي بغي حدا الظلم فيـهما *** إلى حرب شـعب ٍ ماله من مسـاعـدِ
حنانا على الريف الضعيف فأنّــــــــــه *** من الظلم سعي اثنين في قتل واحـــدِ
يعتبر اليعقوبي من الطبقه الأولى من بين شعراء عصره , إن أنصف الحكم - إذا أستثنينا الجواهري ,فهو حالة متميزة - لسهولة شعره الممتعة , وجزالة لفظه , وعذوبة نغمه , وقوة معانيه المبتكرة , وسرعة بديهته , ففي مقطوعة من قصيدة نظمها سنة 1344هج - 1926 م , ونشرها في مجلة ( الفضيلة ) ,قال عن الشعر :
ما الشعر , ما رقم اليـراع*** منمقا فيه الصحائــفْ
فالشعر ما ترتاح عنــــــــــــــ *** ـــــد نشيده كل ّالعواطفْ
تصغي له الأسماع مـــن *** طرب ٍ, وتهتزّ المعاطفْ
الشعر ما تكسوه رقّــّـــــــــ *** ـة لفظه أسنى المطارفْ
وحوت معانيــه الحقـــــــا ***ئق والطرائف والظرائفْ
هذا شعره , وهذا منهج مسيرته الأدبية ,أما خطابته , فهو الخطيب المفوّه الذي يسحرك بنبراته الجياشة, وقصصه التاريخية الممتعة لما يريد أن يدلك عليه من تجارب الأولين , وأخبار الماضين بأسلوب جذاب , فتسمع ولاتمل , بل تستزيد , وشواهده الشعرية الممتعه والمكملة للمعنى الذي يريدك أن تذهب إليه فرضاً , وأنت طائع مطيع ! , وكانت هذه شغلته ومهنته , وشغله الشاغل , ولم يقبل لها بديلاً , لأن ببساطة على المنبر هو الآمر الناهي , وعلى الكرسي هو المأمور المنهي , وقد صرح بذلك صراحة , عندما أغرته السلطات بمنصب رفيع لاستمالته وإسكاته وسكوته عن النقد الفاضح , والتصريح الجارح قائلاً :
أأرتاح بالكرسي مزدهيـــــــــا به *** وتهتز ّ من شوق ٍإلي ّ المنابرُ ؟
وأضرع مأمـــــــــــــــورا لناه ٍ وآمــرٍ *** ولي مقول ٌ في الشعب ناه ٍ وآمرُ
رضيت لنفسي في الحياة بمقنعٍ ٍ*** من العيش يأباه خطيب ٌ وشاعرُ
ولم أدخر غيــر القناعـــــــــة ثروة ً*** وتلك التي تبقى وتفنى الذخائرُ
أما بحوثه التاريخية .. فهو باحث قدير , ومحقق ثبت , وعلامة مقتدر , وأديب كبير . وكان الرجل الشيخ حسن المعشر , لطيف الدعابة , خفيف الروح , طيب القلب , بسيطاً مع البسطاء , عظيماً مع العظماء , هكذا عرفته جاراً لنا في محلة البراق , وهكذا عرفته خطيباً في مجالسنا , أو عندما يقضي شطراً من ساعات المساء – أحياناً في ( براني بيت جدي ) , وهكذا عرفته وأنا في شرخ الشباب عن بعد , وفهمته عند كهولتي بعد مماته عن قرب , إنه رجل عملاق .. وهو الآن أمامي بقامته المربوعة التي تميل إلى القصر , وأكلتها سنوات العمر , ونظاراته بزجاجيتيها الشفافتين أمام عينيه الصغيرتين الثاقبتين , تجلس معه ولا تود أن تفارقه , الزمن الطويل قصير بحضرته , والساعات تنقلب معه دقائقاً , رحم الله شيخنا الجليل , ورحم الله تلك الأيام .
ولد شيخنا اليعقوبي في النجف الأشرف (1) في شهر رمضان المبارك سنة 1313 هـ / 1895 م واسمه محمد علي بن يعقوب بن جعفر بن ابراهيم النجفي (2) , كان والده فاضلاً أديباً شاعراً تخرج على يد السيد أبراهيم الطباطبائي النجفي الشاعر المشهور (3) , حمله والده معه في هجرته إلى الحلة وهو صغير فنشأ فيها محاطاً برعايته , وقرأ القرآن الكريم على يد السيد سليمان وتوت (4) , ثم أخذ يختلف على دار السيد محمد القزويني , فرعاه وأحسن رعايته , وشجعه على حفظ الشعر وفهمه (5) , ولازم الشيخ محمد حسن أبا المحاسن وتخرج عليه (6) وهاجر من الحلة الفيحاء 1333 هـ / 1913 فسكن قرية جناجة , ثم هاجر إلى السماوة (7) , وأمتهن الخطابة , وعندما سقطت بغداد 1916 م لجأ إلى النجف (8) وبعدها انتقل إلى الحيرة وكانت الحيرة تشتهر بأنتقائها الخطباء , فمكث بها إلى 1923 م , وانتقل منها إلى النجف , وفي سنة 1932 أسست جمعية الرابط الأدبية وكان عميدها السيد عبد الوهاب الصافي ومن أعضائها المترجم له , وبعد فترة عُين الصافي قاضياً , فانتخب اليعقوبي عميداً لها إلى آخر حياته (9) , ومما يذكر أن السيد عبد الوهاب الصافي لما كان عميداً للجميعة , وكان يكثر من زيارة الشيخ محمد رضا الشبيبي , إذ كان وزيراً للمعارف ويرهقه بإطراء الرابطة ومشاريعها وأعمالها حتى تضايق الشبيبي , فقال للصافي , أنت مريض بذات الرابطة , فلما انتقل الصافي إلى سلك القضاء , كتب شيخنا اليعقوبي إلى السيد الصافي ممازحاً بعد أن اشتهر الصافي بـ ( ذات الرابطة ) :
ياصاحب الذات التي أعيـا الورى *** منها شفاك ولات حيت شفاءِعوفيت منهـا وابتليت بغيرهـا *** من ذات رابطة لذات قضاءِ
والشيخ اليعقوبي على مايبدو أيضاً أبتلي هو الآخر بـ (ذات الرابطة ) , لأن هذا الواجب الإنساني يحتاج إلى جهد جهيد , فكتب اليعقوبي , مرة ثانية للسيد الصافي قائلاً :
ياصاحب الذات التي***
علقت به طول الزمانأشــــــــكر إلاهــك إنّه ***
عافاك منها وابتلاني(10)
بعد أفول نجم السيد صالح الحلي , بدأ نجم اليعقوبي بالصعود وهو يتلألأ, ويشيع أكثر يوماً بعد يوم (11) حتى أصبح سيد المنبر الحسيني , له اليد الطولى في توجيه الناس وإرشادهم (12) واشتهر في المدن العراقية الكبيرة , وصار لمنبره وزن كبير , ولشخصيته مكانة في النفوس , لما إمتاز به من غزارة العلم ,وجمال الأدب, ورقة الطبع , ونقاء السريرة (13) , ثم أنّ المرجع السيد أبا الحسن ( قدس) بالتزامه للشيخ اليعقوبي , ومساندته له , وحضور بعض مجالسه, شجع الناس على الإحتفاء به ورفع ذكره. ومما يذكر الأستاذ جعفر الخليلي في ( هكذا عرفتهم ) : وقد رآه مرة السيد أبو الحسن يمشي في معيته وهو في طريقه إلى الحرم الشريف متعثراً فسأله عن عصاه , وكانت لليعقوبي عصا هي دون الصفصاف الرخيصة الثمن , فقال اليعقوبي : لقد كسرت عصاي أمس , فناوله السيد أبو الحسن عصاه وهي عصا من الأبنوس الثمين , فكان من أكبر رموز التقدير ان يدفع المرجع الروحي الكبير بعصاه التي يستعين بها إلى أحد في وسط ذلك الجمع الغفير , الذي اعتاد أن يحيط السيد أبا الحسن في أثناء سيره , فقبلها اليعقوبي شاكراً , ولم يسر بضع خطوات في الطريق حتى تقرب من السيد أبي الحسن , وأنشده قائلا :
أبا حسنٍ ٍلا غرو أن ألقت العصا ***يدٌ منك أبصرنا مواهبهــا فيـضاكأنك موسى والعصا عنـده العصــــــــا ***وإنّ اليد البيضاء منك اليد البيضا (14)
وخلّف اليعقوبي عدة دواوين ومؤلفات منها ( الذخائر ) , وتتضمن حوالي خمسين قصيدة في مدح ورثاء أهل البيت طبعت سنة 1949 م ,وقدصدرها بالبيتين الآتيين , ولاتفوتك طبعا التورية في شطر البيت الثاني :
سرائر ودٍّ ٍّللنبيّ ّورهطــــــــــــه *** بقلبي , ستبدو يوم تبلى السرائرُوعندي ممّا قلت فيهم (ذخائرٌ ) *** ستنفعني في يوم تفنى الذخائرُ
والمقصورة العلية قصيدة من (450) بيتاً في سيرة الإمام علي (عليه السلام ) , طبعت سنة 1925 م , والرجل - والشيء بالشيء يذكر- بسبب عقيدته وبيئته و التزامه الديني , كثير التعلق بالإمام ( ع ) وزياراته الدورية لحضرته , وفي إحدى السنين شكا الشيخ ألماً حاداً أصاب عينه ورأسه ,منعه من زيارة 27 رجب المخصوصة لأمير المؤمنين (ليلة المحيا ) , والدنيا قامت قيامتها عنده , والسيد جواد شبر الخطيب كان يعوده , فأنشده اليعقوبي متحسراً لعدم قدرته على الزيارة , ومعتذراً لإمامه , قائلاً :
أبا حسن ٍ عذراً , إذا كنت لم أطق ***زيارة مثواك الكريم مع النــــــــاسفلولا أذى عيني ورأسي لساقني ***إليك الولا سعياً على العين والرأس
ومثل هذا الرجل الذي يُعتبرخادما لآل البيت قولاً وفعلاً , عنده الزيارة تعادل الدنيا وما فيها ,وقالها بصريح العبارة :
قالوا ترى الأيام قد أدبــــــرت *** عنك , وزادت في تجنيهافقلت :حبي لبني المصطفى *** خيرٌمن الدنيـــا وما فيها
وللشيخ ديوان شعر يتضمن القصائد الوجدانيه والوطنية والتاريخية طبع سنة 1928 م , و ( البابليات ) ثلاثة اجزاء طبع سنة 1952 م , وحقق الشيخ اليعقوبي عدة دواوين لشعراء , كاد يطويهم الزمان بعد أن جمع شعرهم ودققه وحققه ,, كالشيخ صالح الكواز , والشيخ عباس الملا علي , ووالده الشيخ يعقوب الحاج جعفر , والشيخ عباس شكر , والشيخ محمد حسن ابي المحاسن (15) , توفي الشيخ اليعقوبي رحمه الله في النجف الأشرف فجر يوم الأحد 21 / جمادي الثانية سنة 1385 هـ - المصادف 17 / 10/1965 عن سبعين عام .
قالوا عنه :
قد وصفه الأستاذ توفيق الفكيكي في جريدة الهاتف مرة قائلاً : الأديب البارع , والشاعر المبدع المخترع , والمؤرخ الضليع المتتبع , والخطيب المصقع الذي يتصرف بالعقول والقلوب من فوق منبره , مملوء الإهاب بالفتوة , ذكي الفؤاد , مرهف الحسّ , قوي الذهن , سريع الخاطر, حاضر البديهية , ذو شاعرية فياضة دفاقة , وما فيه عيب إلاّ انّه حلو المذاق , وريحانة الندماء (16) , ويقول عنه السيد جواد شبر في ( أدب الطف ) : أديب خطيب وباحث كبير , علم من أعلام الأدب , وسند المنبر الحسيني , له اليد الطولى في توجيه الناس وإرشادهم , ولا زالت مواعظه حديثاً معطراً , لايكاد يملّه جليسه , فمن أشهى الأحاديث حديثه , وما جلس إلا وتجمع الناس حوله من الأدباء وأهل الذوق الأدبي يتوقعون نوادره وملحه , وأحاديثه الشهية (17) , ويقول الأستاذ جعفر الخليلي : اليعقوبي من أكثر الشعراء المعاصرين الذين يزخر شعرهم بالبديع من الجناس والتورية والأمثال والتضمين الذي يرسله عفو الخاطر دون تكلف ودون تعقيد (18) , ونعته العلامة الشهير والمحقق الكبير ( اغا بزرك الطهراني) 19) في كتابه ( نقباء البشر ) : خطيب شهير , وشاعر كبير , وباحث فاضل .. وقد سطع نجمه في مجال الأدب ونوادي الشعر , وذاع اسمه وبرز في الخطابة , واشتهر في المدن العراقية الكبيرة , وصار لمنبره وزن كبير, ولشخصيته مكانة في النفوس لما امتاز به من غزارة الفضل , ورقة الطبع ونقاء السريرة (20) , أما الشيخ علي الخاقاني بالرغم من تحفظه عليه نتيجة حزازات شخصية في قلبه عليه لا يتسع المجال لذكرها , فقد شهد بأنّه خطيب شهير , وأديب معروف , وشاعر رقيق (21) ثم ذكره قائلاً : وهو إنسان مرح الروح , لطيف المعشر , رقيق الحديث مليح النكتة , قصاص بارع , وفكِه متين , متواضع ما وسعه التواضع (22) .
رحم الله اليعقوبي إنساناً وشاعراً وخطيباً ومؤرخاً ومحققاً .
طرائفه ومواقفه الوطنية :
الرجل وطني غيور على مصالح شعبه , وقضايا أمته , وشاعر ثائر , لا يخشى لومة لائم في قول الحق , وإظهار الحقيقة , يتمتع بجرأة أدبية كبيرة , وقدرة على نظم البيتين والثلاثة حيث تسير مسير الأمثال على ألسِنة العامة والخاصة (23) , مما تسبب إحراجاً كبيراً للسلطات , وكان الأجدر بها أن تتقبل النقد , وتصلح نفسها , وتتنبه إلى أخطائها , وتقوم المعوج .
أثناء الحرب العالمية الأولى , عندما كانت ألمانيا تحارب إلى جانب الدولة العثمانية , دول الحلفاء , كان الألمان يركزون قسطاً كبيراً من دعايتهم حول منطاد ( زيبلن ) , وهو منطاد ضخم جداً يحلق عاليا في السماء وترسله المانيا لقصف لندن وباريس , وتدعي انه يَحدث دماراً كبيراً لعظمته , ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أن الشيخ اليعقوبي نظم قصيدة أثناء حصار الكوت , أشار فيها إلى منطاد زيبلين , ومبلغ التدمير الذي أحدثه في لندن , وهذه بعض أبيات منها :
لله جيش المسلميـــن المنعـــــــــوتَ *** كلّ حجي قد عـــــاد منه مبهــوتَ
صال على انكلترا وهي الحـــــوت *** ولم يزل يطردها حتى الكــوتَ
من بعد ما جاست خلال سلمـان
قد عزّ يا انكلتـــــرا مـــــا تبغيـــن *** وراءك اليوم عن المــعصومين
ليس الـعراق مثلـمــا تظنيـــــن ***فلندن حــــام عليها زبــــــلين
يقذفها قنــــــــابلاً ً ونيـــــــران (24)
وثار الشيخ اليعقوبي على طلب تركيا بإلحاق الموصل الحدباء إلى أراضيها في مؤتمر لوزان الشهير سنة 1923 م , بأعتبار أن الموصل كانت خارج النفوذ البريطاني عند إعلان الهدنة عام ( 1917) , واستمرت المشكلة فترة من الزمن واعتبر اليعقوبي , إن الموصل رأس العراق , ولا يمكن أن يعيش بدونه , فقال مخاطباً المجلس التأسيسيي :
ياأيها الـــنواب صونوا شعبكم *** بالاتـــحاد وبالحجى والبـــاسِ ِ الموصل الحدباء رأس بلادكــــــــــم *** والجسم يفنى بعد قطع الراسِ (25)
وعندما اصطدم العراق بالجيش الإنكليزي عام 1941, أبان الحرب العالمية الثانية , نظم اليعقوبي قصيدته اليائية التي أنشدها في دار الرابطة الأدبية في النجف ومطلعها :
بالشعب قد عاثت يد عادية *** فجددوها نهضة ثانية (26)
ومنها البيت :
جاءت لتحميك على زعمها ***ولندن ليس بها حامية
قد نشرتها أمهات الصحف العربية , وأذيعت من أغلب المحطات العربية حتى لقد كان المستر (بيرون) الذي كان رئيساً للعلاقات البريطانية , كلما رأى أديباً قائلاً اختصر: ( ولندن ليس بها حامية ) , ثم يسأل على سبيل المزاح والتهكم كيف صحة اليعقوبي ؟! (27) وعلى مايبدو أن اليعقوبي ( رحمه الله ) , قد خاب أمله في أواخر أيامه , واعتصر قلبه الالم لما وصلت اليه الأوضاع السياسية من عدم انسجام وطني يلم شعث الشعب , فسمعت منه قصيدة في إحدى المناسبات أتذكر منها هذا البيت وهو الشاهد :
سل ثورة العشرين أين رجالها *** فجهادها وجهودها ذهبت سدى !!
وعلامات التعجب لكاتب هذه السطور , وله بيتان آخران من ضمن قصيدة ألقاها في جامع الهندي في النجف بمناسبة ذكرى ميلاد الإمام الحسين (ع ) سنة 1964 , قبل وفاته بسنة , وكان العراق حينها يمرّفي ظروف بالغة الخطورة والصعوبة , والصرعات السياسية وصلت إلى درجة لا يمكن السكوت عنها , فقد سخط على الأحزاب السائدة , وهذا رأيه , وعلى أغلب الظن ,كان يمثل وجهة نظر المرجعية , يقول فيهما :
يا قوم : ما الأحزاب غير سحابة ٍ *** جوفاء ترعد في السماء وتبرقطورا بهم فهـــــدٌ يســـــود وتارةً *** يتزعم القطـــــرين فيهم عفلق
ونقول لو أدرك شيخنا هذا الزمان ما ترى سيقول ؟! على كل حال يحفظ الجيل المعاصر للشيخ اليعقوبي كثير من نتفه السياسية , ونحفظ معه هذه النتف , وأرتأينا أن نذكر بعضها ونرجئ الأخرى للحلقة الثالثة فمنها :
قد أصبح الوطن المسكين بينهم ***حباله نصبت في كف صيادِ بغداد قد جُبيت للغرب ثروتــهــــــا *** والشعب ثروته تَجبى لبغـداد
ولمّا تولّى ياسين الهاشمي رئاسة الوزراء , وأخوه طه رئاسة أركان الجيش , ضربهما دفعة واحدة , ولا أعتقد ستفوتك التورية في البيت الثاني عن سورتي ( طه ) و (ياسين ):
قالوا وزارتكــــــــــم ياسين يرأســـها *** ويرأس الجيش طه في الميادين ِيا ربّ ( طه ) و( ياسين ٍ) بحقّهما *** خلّص عبادك من طه وياسينِ
واحفظ له بيتين من بحر الوافر - من بعض ما أحفظ له منذ مطلع الستينات - يعبران أجمل تعبير عن ضرر الفساد الأداري للمجتمع , وكيانه الأقتصادي,وبعده الأخلاقي:
آلا قل للوزارة وهي تبغـــــــــي*** مكافحة الجراد عن البــــلادِ فهلا كافحت في الحكم قومــاً *** أضرّ على البلاد من الجرادِ
ولما شكّلت وزارة ( أرشد العمري ) , قد تناولها بداية بالاستهزاء من التقلبات السريعة, ولم يكن يحمل ضغينة على العمري ,بل لم يكن يعرفه أصلاً , فالسخرية عامة :
قالو الوزارة شكلـــــــــــــــــت *** بــرئاسة العمري ارشدْ فاستقبـــــــــل الشعب الوزا *** رة بالصلاة على محمدْ
ومن سخرياته اللاذعة , وصوره للمفارقات البارعة ,عندما أدّى الرئيس العراقي عبد السلام عارف العمرة ,وعاد الى العراق , سرعان ما شدّ الرحال ليزور موسكو ,ويضع أكليلاً من الزهور على قبر لينين , خاطبه الشاعر قائلاً :
بالأمس كنت ببيت الله مــــعتمرا ً *** ترمي الجمار على مآوى الشياطين ِواليوم ترمي أكاليل الزهور علــــــى *** ضريح قبر ٍ بنوه فـــــــــــوق لينين (28) ِ
لا أخالك تختلف معي أن الصورة مضحكة ,والمفارقة ملفتة , والشيخ كان يعرف العرف الدبلوماسي , والوضع الرسمي ,ولكن التوقيت الغريب , للرئيس العجيب ! جلب هذا الشعر المصيب , لأعين الرقيب !
اليعقوبي والانتخابات النيابية (البرلمانية) :
الانتخابات النيابية (البرلمانية) الشغل الشاغل للإنسان, وللمجتمع بقياداته الدينية والسياسية والعشائرية, وأنا أتكلم على مستوى العراق وبخصوصه , وحين قامت في عشرينات القرن الماضي لأول مرة, استعد الشعراء لها, ووجدوها الفرصة المناسبة لنقد الأوضاع السائدة , وإبراز الذات الشاعرة, وهل تعتقد ان الشاب المتألق الشيخ محمد علي تفوته هذه اللقطات؟ اذا اجبت بنعم, فاذن أنت في خطأ مبين!! ففي بداياتها نظم مقطوعة , تلاقفتها الألسن, ونشرتها صحيفة (الرعد) , فشاعت في البلاد بين أفواه العباد:
للانتخابات قـــــــــامت *** معـــــاركٌ ومعامعْ
لكلّ حزبٍ هـتــــــــــــافٌ ***تستك منه المسامعْ
فللشباب طمــــــــــوحٌ ***و(للشيوخ) مطامعْ
سوق الضمــــائر فيهــا*** مابين شارٍ وبائــــعْ
ذرائعُ القـــــــوم شتى ***والمال بعض الذرائعْ
وليــــــس يــــــــــربح إلا *** من رشّحته المـــراجعْ
لم يكتفِ اليعقوبي بهذا , ولا ندري بتورية (الشيوخ) , هل عنى شيوخ الدين أم شيوخ العشائر! وكل مدعبل عند الناخبين جوز! ولو كان من طين جامد , ولسان صامت , فكان يرى الأعضاء تماثيل منحوته , وهياكلا ً مصنوعة, لذلك ارتجل حين سئل عنهم ببيتين قائلا:
أرى البرلمان ونـــوابه ***سكوت به سكتة الأخرسِ ِتماثيل ينحتها الإنتداب *** وتعرض في قاعة المجلس
وهل تتصور أنّه سكت عند هذا الحد؟ كلا! بل تابع أمر المجلس , وعقد جلساته , وإكمال نصابه, وأهمية قرارته , لإيقاف الخراب, والمطالبة بالحساب, نظم قصيدة نشرتها الصحف , وتداولها الجمهور استهزاء بالأمور, اقرأ وتذكر:
أرأيت في بــغداد مجلسنا الــذي *** أخذت مقاعدها به النــــــوابُ
نصبت على تلك الكراسي التي *** فيها هياكل كلّهــا أنصــــــابُ
نجحوا وأسباب النجــاح كثيــــــــرةٌ *** في الانتخاب , وبئست الأسبابُ
رضيت نفوسهم بنيل مرارهـــا *** وجميع أبناء البلاد غضـــــابُ
ما ضرّهم , وقصورهم فيمـــــا ازْ *** دهت معمورة, إنّ البلاد خـرابُ
سيطول موقفهم إذا ما حوســبوا *** حيث الجرائم ما لهنّ حســـــابُ
ومن الأمور المســـــتحيلة أنّـــــه *** ينجو القطيع , وحارسوه ذئـــابُ
لا درّ درّ مجـــالــــــــــــس ٍ أعضاؤها *** سيّان إن حضروا بها ,أو غابوا (29)
بعض مواقفه وطرائفه الاجتماعية:
ليس بعيداً عن السياسيين, فالشيخ يحمّل هؤلاء المسؤولية الكبيرة في تردي الأوضاع الأقتصادية, وتفشي الفساد الأداري بين صفوف المجتمع , هو لايحتمل الضرر الواقع على غيره منهم, فكيف الحال اذا مسّه الضرر مباشرة, وبشكل مبين من موظف مستهين, أحكي لك: تم توزيع قطع أراضي في النجف على علماء الدين أبان حكومة الدكتور فاضل الجمالي, وعند مراجعة شيخنا إحدى دوائر بغداد المختصة لتنفيذ القرار, استغفل الموظف المسؤول الخطيب المشهور, وكان يجهله لجهله بالأمور, فأعطاه رقماً وهمياً لا أساس له, وعند ذهابه للنجف لغرض تسجيل القطعة باسمه لدى الدائرة العقارية, أخبره الموظف النجفي لا وجود للرقم المزعوم في سجلات القيد المرسوم, وما هذه إلاّ حيلة , فعاد خائبا إلى بغداد , ولكن توجه إلى مكتب رئيس الوزراء, وكان الرئيس نفسه قد أصدر أمراً - في الفترة نفسها - بغلق دور الدعارة في محلة الصابونجية البغدادية, دخل الشيخ الجليل على الدكتور الجمالي, استقبله الرجل استقبالاً حافلاً , يليق بمن مثله , وطلب منه الجلوس , رفض الشيخ اليعقوبي هذا العرض , وقال له : أقرأ عليك هذين البيتين:
قالوا ببغداد الجمـــــالي قد محى*** منازل قد كانت بهنّ العواهرُفإنْ طهرت تلك المنازل لم تكــن ***لتطهر من أبنائهنّ الدوائـــــُروعندك الجواب , ما كان الحساب!
ومما يثير الإعجاب , تناوله قضية إحالة القاضي الشرعي التمييزي , الشيخ محمد بن الشيخ طاهر السماوي (1292-1370 هج\1876-1950م) على التقاعد, بأمر صادر من السيد محمد الصدر رئيس محكمة التمييز العليا في حينه -أصبح السيد رئيسا للوزارة ولمجلس الأعيان... مرات- , وليس بناء على ذيل قانون انضباط الموظفين , فصرخ الشيخ القاضي (ما ضربني الذيل , ولكنه الصدر) , فتلقف الشيخ اليعقوبي صرخته مضمناً مورّياً... قائلا:
قل للسمــــــاوي الذي *** فلك القضاء به يـــدورُالناس تضربه الذيـول ***وأنت تضربك الصدورُ
تورية الذيول والصدور توضحت من مقدمة الحديث, أمّا القضاء فهو تورية عن المنصب الوظيفي العدلي , وليس القضاء والقدر كما يتوهم بعض القراء.
ومن مواقفه الأدبية الطريفة مع الشيخ كاظم بن الشيخ طاهر السوداني (1303-1379هج\1885-1959م), كان الأخير لا يميل الى المتنبي , ويعتبر شعره مسروقاً, ويثور على كل من يفضله على غيره من الشعراء, حتى أنّه هجا المتنبي بقصيدة, فتناوله الشيخ اليعقوبي مخاطباً المتنبي -وكان شديد الإعجاب به-:
يا ابن الحسين, وقد جريت لغايــةٍ *** قد أجهدت شعراء كلّ زمـــــان ِلكنّما الســـــــودان حين هجوتهم *** ثارت عليك ضغائن (السوداني)
ولاتخفي الإشارة الى هجاء المتنبي لكافور الأخشيدي, وخصوصا قوله ( لاتشتري العبد إلا والعصا معه...)!! ومرة ثانية يخاطب الشيخ السوداني نفسه -كأنما ما كفاه ما قد رماه - بشكل أقسى وأمرّ, اقرأ وركّز على التضمين لشطر بيت المتنبي الشهير:
ياهاجياً ربّ القوافـــــــي أحمداً***بلواذع من نظمه وقوارص ِحسبي وحسبك في جوابك قولــــــــه ***(واذاأتتك مذمتي من ناقصِ ِ) (30)
ونختم حديثنا عن الشيخ اليعقوبي , بذكر - متصرفين بصياغتنا, موجزين وفق مرادنا - مانقله الشيخ محمد الخليلي بمقالة كتبها في أواخر أربيعينات القرن الماضي (31) , أقام نادي (المتنبي) في الكوفة حفلة تكريمية لقائم مقام النجف السيد حسن الجواد , ألقى الشاعر المبدع الشيخ علي البازي قصيدة ختام الحفل , قال فيها مخاطباً الجواد:
أفي مثل عصر النور نحيــا بظلمــــةٍ ***ومثلك فينا, يملك النهي والأمراعلى النهر من شاطي الفرات بيوتنا ***وأكبادنا ممــــــــــــا تكابده حرّى
وما ان انتهى البازي من شعره حتى انبرى اليعقوبي مرتجلاً ومداعباً ومخاطباً الجواد نفسه:
لا تعر أهل كوفة الجند ســـمعــاً ***ودع القوم يهلكون ظمـاءاكيف تسقي يا ابن الجواد أناسا ً ***منعوا جدّك الحسين الماءا
كانت مداعبة الشيخ اليعقوبي مفارقة لطيفة, ومبادرة غريبة, طلب الحضور تشطيرهما من السيد محمود الحبوبي , فشطرهما في الحال ضاماً صوته لصوت صديقه الحميم اليعقوبي , وأيده الشيخ عبد الغني الخضري, ولكن الشيخين محمد الخليلي والبازي دافعا عن الكوفة وأهلها, ومما قاله البازي الجميل:
لا تعر أهل كوفة الجند ســـمعـــــاً ***عجبا منك, يطلبون جفاءا
ويقولون لا تجبـــــــهم بشـــــــيءٍ *** ودع القوم يهلكون ظماءا
كيف تسقي يا ابن الجواد أناســـاً *** وسواهم يكابدون العناءا
أو ترضى أنْ تعد من حزب قـــــــــومٍ *** منعوا جدك الحسين الماءا؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق